محمد العربي الخطابي

390

الأغذية والأدوية عند مؤلفي الغرب الإسلامي

معرفة الأدوية : فهذا هو القول في جميع ما يحتاج إليه من أفعال الأدوية التي شوهدت وكيف فعلها ، وقد بقي علينا بعد هذا القول أن ننظر هل يمكن أن ندرك بالقياس هذه الأفعال للأدوية التي لم تجرّب أم أنّ سبيل العلم بوجودها لشخص شخص من أشخاص الأدوية التّجربة ، أم فيها ما جمع الأمرين ، وإن كان فيها ما جمع الأمرين فهل الطرق التي أفاد الأطبّاء في ذلك كافية أم لا ، فنقول : إن أفعال الأدوية - كما سلف من قولنا - تنحصر في أربعة أقسام : أفعال أوّل وثوان وأفعال ثوالث وفعل بالخاصّة ، وأما الغذاء فإنّما له فعل واحد وهو التّغذية ، والأغذية الطبيعية إنّما ملاءمتها لنا في جملة جوهرها ولذلك الفحص عن أمرها هل يمكن أن يدرك بقياس يشمله الفحص عن الخاصّة ؟ فنقول : إن المقاييس التي تعطي وجود الشّيء هي صنفان : إما مقياس يعطي وجود الشّيء وسببه معا وذلك أن يكون الحدّ الأوسط فيه سببا لوجود المطلوب في ذاته وسببا لعلمنا به ، وإما قياس يعطي وجود الشّيء فقط وذلك إذا كان الحدّ الأوسط فيه سببا لعلمنا فقط بالمطلوب لا لوجوده ، وهذا صنفان : إما أن يكون الحدّ الأوسط فيه أمرا متأخرا عن المطلوب وإما أن يكون كلاهما أمرين متأخرين عن شيء واحد بعينه ، وهذه الأفعال للأدوية إنما يمكن الوقوف عليها - إن أمكن - بأحد هذين الصنفين ، أعني إما برهان السبب وإما برهان الوجود أو تكون المقاييس التي تنتج وجود هذه الأفعال مركّبة من هذين الصّنفين من المقاييس ، أعني أن تصير أولا من الأمور المتأخّرة إلى المتقدّمة التي هي أسباب لأفعال تلك الأدوية ثم نسير بعد ذلك من تلك الأشياء التي هي أسباب إلى تلك الأفعال التي هي متأخّرة فيكون الصنف الأوّل من المقاييس من أصناف الدلائل والصّنف الثاني من أصناف البراهين المطلقة ، وهذا كلّه بيّن لمن زاول صناعة المنطق أدنى مزاولة ، وإذا كان هذا كلّه كما وصفنا فلنجعل فحصنا أولا عن الخاصّة فنقول : إنّه إن أمكن أن يكون سبيل لنا إلى العلم بوجودها بالإضافة إلى شيء ما - كأنّك قلت بالإضافة إلى بدن الإنسان إذ كان هو المفحوص عنه هاهنا - فإنّما يكون ذلك - ضرورة - بأحد أمرين : إما أن تكون الطبيعة الصادر عنها ذلك الفعل محصّلة عندنا بالمعرفة بها ، وذلك إمّا بمعرفة وإما بدليل وإما أن تكون هاهنا أشياء متأخرة عن تلك الطبيعة حتّى تكون هي والخاصّة متساويتين في الحمل وتكون مع هذا تلك الأشياء